ابن عجيبة
237
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم هدّد بني إسرائيل على عدم دخولهم في الإسلام ، أو على عدم تمسكهم بشرائعه كلها ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 211 ] سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 211 ) قلت : ( كم ) خبرية ، أو استفهامية ، محلها نصب بفعل محذوف يقدر مؤخرا للصدرية ، أي : كم آياتنا آتيناهم ، أو رفع بالابتداء ، والعائد محذوف ، أي : آتيناهموه . يقول الحق جل جلاله لرسوله - عليه الصلاة والسلام - أو لكل سامع : سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ سؤال تقريع ، وقل لهم : كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ أي : كثيرا ما آتيناهم من آية واضحة في شأنك ، تدل على صدق رسالتك وعلو شأنك وفخامة أمرك ، اعتناء بأمرهم ، ونعمة على من أدرك زمانك منهم . ثم إنهم بدلوا نعمة اللّه كفرا ، وحجدوا فكتموا تلك النعمة وكفروها ، وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ من بعد مجيئها إياه ، فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لمن كفر نعمه وجحد رسله ، نعوذ باللّه من السلب بعد العطاء ، ومن كفران النعم ، وحرمان الرضا . الإشارة : ما قيل لبنى إسرائيل ، يقال لمن تحقق بولاية ولى من أولياء الله ، ثم حجدها وكتمها ، وحرم نفسه بركة ذلك الولي ، فمات على مرضه ، فيقال له : وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ . وعقوبته : أن يلقى اللّه بقلب سقيم ، فيبعث مع عوام أهل اليمين ، ويحرم درجة المقربين ، التي تلى درجة النبيين والمرسلين . عائذا باللّه من الحرمان ، وشؤم عاقبة الخذلان . ثم ذكر الحق جل جلاله سبب هذا الحرمان ، وهو حب الدنيا ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 212 ] زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ( 212 ) قلت : ( زين ) مبنى للمفعول ، والفاعل هو اللّه ، إذ لا فاعل سواه . يقول الحق جل جلاله : زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا من أهل الكتاب وغيرهم ، الْحَياةُ الدُّنْيا أي : حسّنت في أعينهم ، وأشربت محبتها في قلوبهم ، حتى تهالكوا عليها ، وأعرضوا عن غيرها ، فلم تتفرغ قلوبهم للتفكر والاعتبار ، ولم تستمع آذانهم للوعظ والتذّكار ، بل أعمتهم ، وأصمتهم ، وقصروا عليها همتهم ، حتى جعلوا يسخرون ممن أعرض عنها ، كفقراء المسلمين وأهل الصفة ، فكانوا يستهزئون بهم ، حيث رفضوا الدنيا وأقبلوا على اللّه ، فرفعهم اللّه